محمد أبو زهرة

171

المعجزة الكبرى القرآن

على تغييرها ، وإذا كان الاستنكار على ما وقع توبيخا لمن أوقعه ، فالاستنكار لأمر لم يقع بظاهر الحال ، واستصحابها ، تحريض على تغييرها ، وتوجيه للإتيان بها . وإن الاستفهام الذي ينطبق عليه قول بعض الكتاب في علم البلاغة وهو : نفى النفي إثبات - يكون في مثل قوله تعالى : أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 39 ) أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ( 40 ) [ القيامة : 37 - 40 ] وترى من هذا أن الاستفهام دخل على النفي فكان إنكاريا لنفى الوقوع ، فنفى على زعمهم القائل أنه لم يك في نشأته من منى ، أو كانوا عن ذلك في غفلة ساهين وكانوا في حاجة إلى التذكير ، والإحساس بمبدئهم ، ليعرفوا منتهاهم ، وأن الذي أوجدهم من منى أشخاصا ذكورا وإناثا قادر على إعادتهم ، كما بدأهم يعودون . فالاستنكار لجهلهم هذه الحقيقة ، أو تجاهلهم ، وكأنهم لا يعلمون ، فاستنكر هذا عليهم فكان نفيا مستنكرا لحال التجاهل . ولا شك أن هذا فيه تنبيه ، وفيه لوم على تجاهلهم تلك الحقيقة ، وبيان أنه يجب عليهم أن يعرفوها ، ليكونوا في تذكر دائم بقدرة اللّه تعالى في تدرجهم في الوجود من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ، ويعلموا بذلك قدرة اللّه تعالى على الإعادة . ومن الاستفهام الداخل على النفي الذي هو من قبيل أن نفى النفي إثبات ، التنبيه إلى أن النبي يصنع على عين اللّه تعالى ، ويتولاه وألا يكون في يأس من رحمة اللّه تعالى ، ومن ذلك قوله تعالى : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ( 1 ) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ( 2 ) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ( 3 ) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ( 4 ) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ( 5 ) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ( 6 ) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ( 7 ) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ ( 8 ) [ الشرح : كلها ] . فإن الاستفهام هنا لإنكار الوقوع ، أي لإنكار أن اللّه تعالى لم يشرح صدر النبي صلى اللّه عليه وسلم ليتلقى الوحي الذي أوحى به إليه ، وإذا كان الإنكار نفيا فالمؤدى للقول : قد شرحنا صدرك ، وكان الاستفهام للنفي . 101 - وإننا في ختام هذا البحث من التصريف البياني في القرآن نقرر بالنسبة للاستفهام فيه ، أن الاستفهام باب من تصريف القول في القرآن ، وفيه من أسرار الإعجاز ما فيه ، فمن الاستفهام ما يكون بعبارات تتفق مع النسق العربي السليم ، ولكنه لم يعرف بين البلغاء قبل القرآن ، وإني أرى أن أكثر صيغ الاستفهام التي جاء بها القرآن غير مسبوقة قبله ، وأن الاستفهام كان يستعمل أحيانا للتنبيه ، وأحيانا للاستدلال ، وأحيانا للتعجب ، وأحيانا ليوجه الأنظار إلى الكون وما فيه ، وما يجرى بين الناس ، وأن ذلك كله مما يدل على علو القرآن على مستوى ما كان عليه أكبر البلغاء ، وأقواهم سلطانا في الأسلوب العربي .